لدى حكوماتنا العربية، وبعض دوائر المثقفين الذي يعلنون زورا انتمائهم لليبرالية، ميل لتدعيم قوي اليمين السياسي الشعبوية، سواء في الولايات المتحدة أو في بلدان أوروبا الغربية. المبرر لدى الحكومات العربية واضح كالشمس، ويتمثل في أن مثل هذه التيارات، وخصوصًا بعد وصولها إلى السلطة، تساند هذه الحكومات الاستبدادية في قمعها للشعوب التي تحكمها وضرب مصالحها، كما أن التزام هذه القوى بالقيم الديمقراطية معدوم، ولو أتاحت لهم الظروف الانقلاب على النظم الديمقراطية في مجتمعاتهم، لن يترددوا للحظة، ولنا في محاولة أنصار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اقتحام مبنى الكونجرس الأمريكي في ديسمبر 2020، لتعطيل تصديق مجلس الشيوخ على فوز المرشح الديمقراطي، مثالًا واضحًا على ذلك. لكن هذه المحاولة باءت بالفشل لأنها اصطدمت مع مؤسسات الدولة. لذلك انصرف جهد دونالد ترامب وإدارته الانقلابية، في فترة الولايات الثانية على تفكيك المؤسسات الداعمة للديمقراطية والتعددية، داخل الولايات المتحدة، وعلى المستوى الدولي والأوروبي، كما يتضح من خلال انسحابه من الوكالات والمنظمات التابعة للأمم المتحدة، أو حصارها ماليًا من خلال تقليص التمويل الأمريكي لتلك المنظمات.
الصورة التي يجري ترويجها إعلاميًا، خصوصًا في العالم العربي لترامب على أنه رجل صفقات يسعى فقط وراء المكاسب المالية والاستثمارات، تختزل مشروع التيار الشعبوي الذي يمثله ترامب، في واجهة زائفة لا تكشف عن الأبعاد الأعمق للصراع الدائر الآن على مستويات عديدة في العالم للدفاع عن تعددية الأطراف في مواجهة مشروع الشعوبيين للسيطرة العالمية والإقليمية، على النحو الذي تفضحه المغامرات العسكرية لترامب وحليفه الرئيسي، بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، الذي يقود إلى الآن حكومة ائتلافية تضم أحزابا من اليمين الديني المتطرف وتمثل عصابات المستوطنين، وتخطط لانقلاب سياسي كبير في إسرائيل يمكنهم من تأبيد سيطرتهم على السلطة، من خلال الانقلاب على النظام القضائي والقانون الأساسي الذي تقوم عليه الدولة ومؤسساتها القانونية. وهو انقلاب صريح على الديمقراطية وفكرتها الأساسية المتمثلة في مبدأ "سيادة القانون"، التي تعني أن لا أحد فوق المساءلة والخضوع لسلطة القانون. وهذا التحالف بين الشعبوية في الغرب وبين الحكومة الأشد تطرفًا في تاريخ إسرائيل، يضع الحكومات العربية أمام مأزق يفضح الشعارات الوطنية التي لطالما أعلنتها. وباتت هذه الحكومات أمام الاختيار بين الانضمام إلى هذا التحالف أو البحث عن تحالفات بديلة، وكانت الحرب على إيران، التي لم تنته بعد، هي لحظة الاختبار الحقيقي لهذه الحكومات.
قد يكون من المهم تفسير موقف بعض المثقفين في مجتمعاتنا المؤيد لترامب قبل الانتقال إلى تحليل التحرك المضاد لترامب وزمرته، وتحليل ميزان القوة الراهن على المستوى الدولي. ولا تكمن الأهمية في ثقل هؤلاء المثقفين أو تأثيرهم على معادلة القوة، وإنما تكمن في تأثيرهم على التفاعلات داخل المجتمعات العربية من خلال فرض قضايا زائفة على الرأي العام لشغله عن الصراع الرئيسي من أجل الهيمنة على الموارد وعلى الاقتصاد وتوجيهه بعيدًا عن المشروعات الإنتاجية، بحثًا عن الأرباح السريعة التي تتحقق من خلال مضاربات مالية وبيع المواقف السياسية، واللهاث وراء ما تطرحه الشركات العالمية الكبرى الخاضعة لسيطرة قلة من الرأسمالية المالية، التي تدعم، عادة، الفاشية والاستبداد السياسي. ينقسم هؤلاء المثقفين إلى فئات متباينة من حيث مستوى الإدراك والوعي. فهناك من يفعلون ذلك عن وعي وخدمة لمصالح محددة ويحققون مكاسب من وراء ذلك، وهم قلة من المؤثرين، سواء من خلال أدوات الإعلام الجديد، أو من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. الغالبية من هؤلاء المثقفين، يدافعون عن ترامب وسياساته دون وعي، وغالبًا، لأن هذه السياسات تتعارض مع التيارات الشعبوية الجارفة في المجتمعات العربية التي تتكتل في المعسكر القومي الديني.
إن مثل هذه التحالفات والتحالفات المضادة تجعل العالم أكثر بؤسًا وشقاء على النحو الذي أظهرته تداعيات العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران. المعركة هنا معركة على وعي الغالبية الساحقة من الشعوب في مختلف أنحاء العالم، فبدون هذا الوعي سيكون من الصعب بناء تحالف جديد قادر على كسر حلقة العداء المستحكم فيما بين تيارات شعبوية تسعى للسيطرة من أجل الدفاع عن مصالح القلة المستفيدة وتهميش غالبية الناس ومصالحهم. في مثل هذه التناقض تبرز مقولات من قبيل، "القنبلة الديموغرافية"، التي تراهن على الكثرة العددية للمستضعفين، أو مقولة "المليار الذهبي"، التي ترى الحل في سياسات اجتماعية واقتصادية للقضاء على الفقر من خلال القضاء على الفقراء وقتلهم، وهي مقولة تلقى رواجا بعد الثورات العلمية والتكنولوجية التي أدت تهميش قوة العمل من خلال التوسع على الآلة وعمليات الإنتاج المؤتمتة. لا يمكن فهم التحولات الكبرى في العالم اليوم بعيدًا عن طبيعة الاقتصاد السياسي العالمي، سواء في مرحلة صعود العولمة وكذلك في مرحلة تراجع هذه العولمة وانحسارها لصالح سياسات حمائية جديدة.
معركة الوعي وإدراك المخاطر الراهنة
من النقاط المتفق عليها أن العولمة تراجعت نتيجة للهجوم المنسق دون اتفاق من قبل تيارين كبيرين متعارضين ويقفان على طرفي النقيض، هما قوى اليسار بتلويناته السياسية والأيديولوجية المختلفة، والتي تضم تحالفات واسعة من اليسار الوطني والقوى الدينية أو المنتمية إلى التيار القومي الديني في بلدان الجنوب العالمي، والقوى الشعبوية اليمينية التي تمثلها التيارات المحافظة التي تتبنى أيديولوجية "الليبرالية الجديدة"، التي تختزل الفكرة الليبرالية في مشروع السوق والحرية المطلقة لرأس المال، والتي تعبر عن صعود الرأسمالية المالية، في مواجهة الرأسمالية الصناعية، وأدت التطورات التكنولوجية إلى تراجع قوة العمل وتهميشها على مراحل نتيجة التناقض الرئيسي بين رأس المال والعمل، وبسبب سياسات الليبرالية وصعود دولة الرفاهة والتحسن المستمر في أجور العمال ومكتسباتهم في المراكز الرأسمالية ونتيجة تزايد الوعي البيئي. في المرحلة، شهدنا صعود موجة العولمة التي كانت تختزل حرية الانتقال على الصعيد العالمي في حرية انتقال رؤوس الأموال، بحثًا عن فرص استثمارية تحقق للشركات المزيد من الأرباح باستغلال قوة العمل في بلدان الجنوب العالمي التي تتيح ذلك.
المفارقة أن الصين تحولت إلى مصنع للعالم بسبب سياسة دولة واحدة ونظامين، وما وفرته من ترتيبات أتاحت للصين إنشاء مناطق صناعية كبرى تعمل وفق قواعد السوق الرأسمالي العالمي، مع الاحتفاظ بسيطرة الحزب الحاكم، الحزب الشيوعي الصيني على عملية التراكم المالي وتوجيهها، من خلال سياسات التخطيط المركزي وبرامج التنمية، والانخراط بقوة في الاقتصاد العالمي مستفيدة من مقومات القوة البشرية الصينية. لكن ما يعطي للتجربة الصينية فرادتها، أن الصين انتقلت من نموذج الهندسة العكسية في استيعاب التحولات التكنولوجية في العالم وفي عمليات نقل التكنولوجيا وتوطينها في الصين، إلى نموذج الشراكة في انتاج التطور التكنولوجي وصنعه، عبر العلماء الصينيين في كبرى الجامعات ومراكز الأبحاث في العالم، ثم الانتقال إلى مرحلة الإبداع التكنولوجي مع انطلاق ثورة "الذكاء الاصطناعي". الركيزة الثانية في هذا التحول الذي أحدثته الصين، تمثلت في سياسة غزو الأسواق العالمية، بما في ذلك السوق الأمريكي والأسواق الأمريكية بالمنتج الصيني. واعتمدت الصين في ذلك على أدوات الرأسمالية ومفاهيمها. لقد أصبحت الصين نموذجًا فريدا متميزا عن الصيغة الكلاسيكية للدولة الاشتراكية، وعن الدول الرأسمالية التي دخلت معها في منافسة شرسة على الأسواق والنفوذ الاقتصادي والمالي العالمي، وباتت مسألة قدرة الصين على تحدي للهيمنة السياسية والاستراتيجية الأمريكية والغربية على النظام العالمي ومعاييره مسألة وقت لا أكثر.
النموذج الآخر لتحدي الهيمنة السياسة والاستراتيجية الأمريكية والغربية قدمته روسيا، خصوصًا من خلال الحرب الأوكرانية في فبراير عام 2022. عنوان هذه المعركة كان ضم أوكرانيا، الجمهورية السوفيتية السابقة والواقعة على حدود روسيا لحلف شمال الأطلسي ورفض روسيا هذا الضم. واعتمدت روسيا في تحديها للغرب على توظيف ما لديها من موارد طبيعية، لاسيما الغاز والنفط الذي تعتمد عليه الصناعة والرفاهية في المجتمعات الأوروبية في فرض إرادتها في مواجهة الدول الأوروبية التي أصبحت في موقف دفاعي في مواجهة الهجوم الروسي على الجبهة الأوكرانية، وباتت معركة أوروبا الأساسية هي التصدي للخطط الروسية التوسعية على تخوم روسيا واستعادة سيطرتها على شرق ووسط أوروبا بوسائل دبلوماسية وعسكرية. اعتمدت روسيا في هذا التحدي على نظرية جيوسياسية متمثلة في الأوراسية الجديدة، والتي تعني تفعيل المكون الأسيوي والأوروبي في تركيبة روسيا، وهي نقطة قوى لدى روسيا انتبه إليها هنري كيسنجر في كتاب "النظام العالمي: أفكار حول طبيعة الأمم ومسار التاريخ". الأداة الأخرى تمثلت في إعادة توظيف فن التضليل الذي برعت فيها المخابرات السوفيتية ووريثتها المتمثلة في المخابرات الروسية، لاستغلال الثغرات في الديمقراطيات الغربية من أجل التأثير في نتائج الانتخابات العامة بما يخدم المصالح الروسية، من خلال تقنيات التزييف العميق ونشر تقارير إعلامية مزيفة لتوجيه الناخبين والتأثير في إرادتهم الانتخابية، على النحو الذي تناولته تقارير ودراسات للانتخابات الأمريكية في عام 2016، وفي العديد من الانتخابات الأوروبية. لقد جعلت هذه الأدوات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو رئيس سابق للمخابرات الروسية، لاعبًا أساسيًا في السياسات الأوروبية والأمريكية، وفي السياسات العالمية.
واعتمد التحرك السياسي الروسي على ركيزتين أساسيتين: الأولى هي تعزيز الجبهة الداخلية في روسيا من خلال احتواء التداعيات التي ترتبت على تفكك حلف وارسو ثم الاتحاد السوفيتي ذاته، وكيفية إعادة بناء روسيا كدولة متعددة القوميات والأعراق والديانات. وكان النجاح الأبرز الذي حققه بوتين هو إنهاء حرب الشيشان التي كانت تهدد تماسك الدولة الروسية ووحدتها واحتواء الأقليات المسلمة داخل روسيا، بل وتوظيفها لتأمين عضوية روسيا في منظمة التعاون الإسلامي، كما نجح في إعادة بناء تحالفاتها الإقليمية عبر مجموعة من التكتلات الاقتصادية والسياسية، مثل منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) عبر صيغة "أوبك بلس" التي مكنت روسيا من التأثير في صادرات النفط العالمية من خلال التنسيق بين روسيا وهذا المنظمة لتحويل التنافس على أسواق النفط العالمية إلى تعاون يحقق أكبر فائدة ممكنة للمنتجين والمصدرين. كذلك انضمت روسيا إلى مجموعة شنغهاي وهي لاعب مهم في تجمع دول البريكس وفي مجموعة العشرين التي عوضتها فقدان مقعدها في مجموعة الثماني الكبار. هذه الترتيبات جميعا لعبت دورا في احتواء تداعيات الحرب الإيرانية التي لم تنته بعد، وفي التخفيف من آثار العقوبات الأمريكية والأوروبية والدولية على روسيا بسبب الحرب الأوكرانية، كما أنها عوضت روسيا خسارة بعض المواقع الاستراتيجية في شرق المتوسط وشمال أفريقيا.
أوروبا تنتفض وتضغط للدفاع عن الأمم المتحدة
شجعت هذه التوازنات الدولية بلدان أوروبا الغربية على التعامل مع التحدي الذي يفرضه عليها دونالد ترامب الذي استهدفت سياساته التوسعية الاتحاد الأوروبي ومؤسساته ودوله بسبب مواقفها السياسية المستقلة التي تبلورت على خلفية الموقف من حرب غزة الممتدة وتداعياتها. وكانت هناك مؤشرات كثيرة على التحدي الأوروبي لترامب وسياساته، برز بعضها في رفض المشاركة في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وإغلاق المجال الجوي الأوروبي ومنع القوات الأمريكية في الاعتماد على بعض قواعد العسكرية والجوية في بلدان أوروبا الغربية في دعم المجهود الحربي الأمريكي ضد إيران. لكن التحرك الأهم والأبرز ظهر مع بدء المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حول "صون مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وتعزيز النظام الدولي القائم على الأمم المتحدة" ضمن بند "صون السلم والأمن الدوليين"، والتي افتتحت يوم الثلاثاء الماضي برئاسة وزير الخارجية الصيني وانغ يي، والتي تتيح منصة جديدة لاستعراض تباين مواقف القوى الدولية بشأن مستقبل النظام متعدد الأطراف، والدور الذي تضطلع به الأمم المتحدة في إدارة الأزمات التي يعاني منها العالم في ظل استمرار الاستقطاب الدولي وتزايد الضغوط على مؤسساتها، نتيجة الانقسامات الحادة فيما بين القوى الكبرى بشأن الالتزام بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتصاعد الأزمات الدولية والنزاعات المسلحة في عدة مناطق حول العالم.
هذا النقاش جاء بمبادرة من الصين التي تتولى رئاسة دورة مايو في مجلس الأمن الدولي، وأشارت الصين في المذكرة التي وزعتها الصين على أعضاء المجلس إلى التحديات المتصاعدة التي تهدد مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، مثل تدهور البيئة الأمنية العالمية، وتزايد الحروب والنزاعات، وتراجع الثقة بين الدول واتساع الخلافات بشأن مفاهيم الأمن، وتراجع التعاون متعدد الأطراف وازدياد "ازدواجية المعايير" والتطبيق الانتقائي للقانون الدولي. وأكدت المذكرة أن الأمم المتحدة تظل "الركيزة الأساسية للنظام الدولي"، رغم ما تواجهه من تحديات مشددة على ضرورة دعم دور المنظمة الدولية وتعزيز إصلاحها بما يمكنها من الاستجابة بصورة أكثر فاعلية للتحديات الراهنة وتطلعات الدول الأعضاء.
من المهم هنا التوقف عند البيان الذي ألقته السفيرة هيدا سامسون، رئيس وفد الاتحاد الأوروبي لدى الأمم المتحدة، نيابة عن الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، والبلدان المرشحة لعضويته. وأشارت السفيرة الأوروبية في بيانها إلى التصاعد في حدة التنافس الجيوسياسي، الاستخدام غير المبرر للقوة ضد دول ذات سيادة، وانتهاكات للقانون الدولي الإنساني. وتتزايد دوافع الصراع، بما في ذلك الانتهاكات واسعة النطاق للقانون الدولي لحقوق الإنسان، واستخدام الغذاء والماء كسلاح، وتغير المناخ، واستمرار أوجه عدم المساواة. وأكدت السفيرة أن ميثاق الأمم المتحدة، والقانون الدولي عموماً، لا يزال بمثابة الدليل الذي يوجه عمل الدول، والبوصلة التي ترشدها في أوقات الانقسام وخلال الأزمات، في إشارة إلى رفض الترتيبات البديلة والموازية مثل مجلس السلام العالمي الذي اقترحه ترامب في سياق سعيه لإنهاء الحرب في غزة، خصوصًا في ضوء فشل ترامب ومجلسه في وقف العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة وشعبه بزعم تفكيك سلاح حركة حماس والفصائل الفلسطينية، وكذلك عدوانها المستمر على جنوب لبنان، بزعم تفكيك البنية العسكرية لحزب الله، وأخيرًا العدوان الإسرائيلي- الأمريكي المشترك على إيران.
تضمن بيان السفيرة الأوروبية عبارات واضحة تؤكد احترام مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك مبادئ "السيادة والسلامة الإقليمية" للدول، و"الاستقلال السياسي وحق تقرير المصير"، للشعوب، مشددة على أن هذه المبادئ "غير قابلة للتفاوض أو المساومة"، وضرورة محاسبة من ينتهك القانون الدولي، مشيرة إلى أن أي سلام، بما في ذلك السلام في أوكرانيا، يجب أن يلتزم بمبادئ الميثاق والقانون الدولي، لكي يكون سلامًا عادلاً ودائماً وشاملاً. وأكدت السفيرة أن الاتحاد الأوروبي سيظل "شريكاً موثوقاً به وذا مصداقية للأمم المتحدة"، مؤكدة التزامه بإيجاد حلول عالمية للتحديات المشتركة، ودعمه، لمبادرة الأمين العام الرامية إلى بناء أمم متحدة أكثر فعالية وكفاءة من حيث التكلفة واستجابة، قادرة على تحقيق نتائج فعالة في الركائز الثلاث. وأشارت إلى أن الاتحاد الأوروبي يدعم إصلاحًا شاملًا لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لجعله أكثر فعالية وشمولية وشفافية وديمقراطية ومساءلة، وأكثر تمثيلا للمناطق المختلفة في العالم. كما أكدت دعم المبادرة الفرنسية المكسيكية الرامية إلى تقييد استخدام حق النقض (الفيتو) في حالات الفظائع الجماعية، بالإضافة إلى مبادرة الفيتو لإثارة نقاش في الجمعية العامة في حال استخدام الفيتو. ويؤكد الاتحاد الأوروبي المسؤولية الخاصة التي يتحملها الأعضاء الدائمون في المجلس، ويشدد على أن التركيز على الوقاية وبناء السلام وسيلتان أساسيتان للتعامل مع الأزمات بفعالية واستدامة، وتقدير عمل الجمعية العامة في المسائل المتعلقة بالسلام الدولي، وضرورة مواصلة تعزيز سبل مساهمة الجمعية العامة في توطيد بنية الأمم المتحدة للسلام والأمن، ومواصلة العمل مع الأمم المتحدة لمواجهة تحديات السلام والأمن العالميين، مع التركيز على منع النزاعات والوساطة وبناء السلام وإدارة الأزمات، وفقاً للشراكة الاستراتيجية بين الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة بشأن السلام والأمن، والدعم القوي لمحكمة العدل الدولية، ونُذكّر بأن قراراتها وأحكامها مُلزمة لأطراف النزاع.
ما قالت السفيرة الأوروبية باختصار هو خطة عمل للتصدي لخطط ترامب والشعبويين ومروجي نظريات المؤامرة في أمريكا وفي أنحاء مختلفة من العالم بخصوص الأمم المتحدة ودورها، والتي تخدم خطط ترامب لتفكيك الأمم المتحدة وتجاهل القانون الدولي ومبادئه. لقد أعلنت معظم دول الاتحاد الأوروبي الرئيسية موقفًا واضحا من مجلس السلام العالمي الذي اقترح ترامب تشكيله لإنهاء الحرب في غزة، لكنها لم تتبع هذا الموقف بتحرك على الأرض، ربما لأن كثيرا من الحكومات العربية الرئيسية أظهرت تجاوبا مع اقتراح ترامب، وقبلت المشاركة في خطته لإنهاء الحرب في غزة، بزعم أن هذا هو الحل العملي لإنهاء الحرب على غزة، لكن مشاركتها لم تمكنها من انتزاع ضمانات بكبح العدوان، بل على العكس وفرت هذه المشاركة غطاء سياسيا ودبلوماسيا لاستمرار العدوان الإسرائيلي وتنفيذ مخططاتها لفرض سيطرتها الأمنية الكاملة على القطاع. السؤال الآن، وفي ضوء التغيرات الدولية والإقليمية، هل حان الوقت لأن تعيد الحكومات العربية النظر في موقفها من مجلس السلام العالمي ومن خطة ترامب، وأن تتواصل مع القوى الدولية والاتحاد الأوروبية، لتفعيل دور الأمم المتحدة والقانون الدولي لوضع حد للجرائم والانتهاكات الإسرائيلية والأمريكية؟
-------------------------------
بقلم: أشرف راضي






